الشيخ محمد علي طه الدرة
525
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ، وكان من أمر أهل الكتاب ، ألا يأتوا النّساء إلا على حرف ( على جنب ) ، وذلك أستر ما تكون المرأة ، فكان هذا الحيّ من الأنصار قد أخذوا بذلك من فعلهم ، وكان هذا الحيّ من قريش يشرحون النّساء شرحا منكرا ، ويتلذّذون منهنّ مقبلات ، ومدبرات ، ومستلقيات ، فلما قدم المهاجرون المدينة ؛ تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار ، فذهب يصنع بها ذلك ، فأنكرته عليه ، وقالت : إنّما كنا نؤتى على حرف ، فاصنع ذلك ، وإلا ؛ فاجتنبني ، حتّى شري أمرهما ، فبلغ ذلك النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأنزل اللّه - عزّ وجل - : فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ ؛ أي : مقبلات ، ومدبرات ، ومستلقيات ، يعني بذلك موضع الولد . أخرجه أبو داود . ومعنى قوله : ( أوهم ) ابن عمر ، فإنه قال : يأتيها في قبلها ، وسكت ، ولم يزد على ذلك . وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي : الأعمال الصّالحات ، وما ينفعكم غدا ، فحذف المفعول ، وقيل : هو طلب الولد الصّالح ، وقيل : التسمية قبل الوطء ، وفيه الترغيب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث قال : « لو أنّ أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله ؛ قال : بسم اللّه ، اللّهمّ جنّبنا الشّيطان ، وجنّب الشّيطان ما رزقتنا ، فإنّه إن يقدّر بينهما ولد في ذلك ؛ لم يضرّه شيطان أبدا » . أخرجه البخاريّ ، ومسلم عن ابن عبّاس - رضي اللّه عنهما - واللفظ لمسلم . وَاتَّقُوا اللَّهَ تحذير ، ووعيد . وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ : صائرون إلى اللّه ، وذلك بالبعث ، والحشر بعد الموت فاستعدّوا للقائه بالعمل الصّالح ، وترك العمل السّيّئ . وعن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهو يخطب يقول : « إنكم ملاقوا اللّه حفاة ، عراة ، مشاة ، غرلا » ثمّ تلا قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ . . . إلخ . أخرجه مسلم بمعناه . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ : المستوجبين للمدح ، والتعظيم بترك القبائح ، وفعل الأعمال الصّالحات ، ولا تنس الالتفات من خطاب الجماعة إلى خطاب المفرد . بعد هذا ؛ فقد رأيت : أنّه لا يجوز للرّجل أن يأتي امرأته في أيّام حيضها ، ونفاسها ، كما لا يجوز له أن يأتيها في دبرها . وخذ ما يلي من قول سيد الخلق ، وحبيب الحقّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فعن عبد اللّه ابن عمرو - رضي اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « هي اللّوطيّة الصّغرى ، يعني : الرّجل يأتي امرأته في دبرها » . رواه أحمد ، والبزّار . وعن خزيمة بن ثابت - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه لا يستحيي من الحقّ - ثلاث مرات - لا تأتوا النّساء في أدبارهنّ » . رواه ابن ماجة ، والنّسائي . وعن أبي هريرة - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أتى النّساء في أعجازهنّ ؛ فقد كفر » . رواه الطّبرانيّ في الأوسط . وعنه : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ملعون من أتى امرأة في دبرها » . رواه أحمد ، وأبو داود ، وعنه أيضا : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من أتى حائضا ، أو امرأة في دبرها ، أو كاهنا ، فصدّقه ؛ كفر بما أنزل اللّه على محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم » . رواه خمسة غير البخاريّ ، ومسلم .